درويش يصرخ من منفاه الأخير:الموت أرحم من إخوتي يا أبي!
بواسطة: admin بتاريخ : الإثنين 24-08-2009 01:37 صباحا
العرب اون لاين: عبد المجيد دقنيش:كنت صقرا قرشيا علما ما على الصقر إذا لم يرمس إن تسل أين قبور العظماء فعلى الأفواه أو في الأنفس"أحمد شوقي"
- "لقد ناضلنا ضدك أيها القدر، ضد هجماتك السرية الكاسرة والمعلنة لكن حين يأتي موعد رحيلنا سنمضي باصقين على هذا العالم مرددين أنشودة نصر مجيد: لقد عشنا حياة طيبة" أبيقور
- "وقال لي: بدنك بعد الموت في محل قلبك قبل الموت" النفري
هل حقا مضت سنة على غيابك يا درويش؟!
هل حقا مضت سنة على دموعنا يا درويش؟!
هل حقا كبرت العصافير في الجليل وكسى لحمها الريش؟!
هل حقا صار الكون "ورد أقل" وحب أقل وقبل أقل؟!
وهل حقا صارت بعدك القصائد والقوافي والبحور والحياة بطعم الخل؟!
هل حقا سكت المغني وتكسرت الكمنجات؟!
وهل حقا ذبل حوض النعناع في الشرفات؟!
هل حقا هو قال: "لا أريد لهذي القصيدةأن تنتهي"؟! أم أن القدر كان ينتظره عند نصف الالتفاته وأن السوسنة والسنونوة غافلته وسكنت حروفه والمعاني.
هل حقا نحن قادرون على النسيان؟!
هل حقا أن سجانه ما عاد يهمه أن يقتفي أثره إلى سدرة المنتهى؟!
وهل حقا أن قريش أهملته هذا الصباح ريثما يعد إخوته ويشم أصابعه ويتبع ظله في الأغاني ويسكن قامته في التسامي؟!
آه.. آه.. ما أقسى الدروب من بعدك. وما أكثر خلافات شعبك من بعدك أيها الغريب الذي تأبط منفاه وأيها الملك الضليل وأيها الراحل في الرحيل. لمن تركت أبجدية الياسمين ولمن تركت قرنفلة الصباحات ولمن تركت عصافير الجليل.
كنت تردد ونحن نردد من بعدك -:"النهر للمنبع لا يعود/ النهر في غربته يكتسح السدود" فها قد أخذتك الموجة الغادرة والدروب الحائرة والهتافات الثائرة. اختفيت عن دنيانا وخصوماتنا وصرت تراقب الوضع من فوق وتردد ساخرا: الموت أرحم من أخوتي يا أبي".
مازلت لا أصدق أنك تخلفت عن موعدنا الأخير، ومازلت لا أصدق أن النهر والنبع توقفا عن الخرير كلما استباحني الحنين وهدني شوق الحبيب وغدر السنين تذكرت قولك في الأماسي: "أموت اشتياقا/ أموت احتراقا/ وشنقا أموت وذبحا أموت. ولكنني لا أقول: مضى حبنا وانقضى/ حبنا لا يموت/".
وكلما هبت نسائم الانتفاضة من أرض المسيح وبلد الطيوب تذكرت قولك في الأقاصي: "الزنبقات السود في قلبي.. وفي شفتي اللهب/ من أي غاب جئتني/ يأكل صلبان الغضب؟/ بايعت أحزاني../ وصافحت التشرد والسغب/ غضب يدي/ غضب فمي.. ودماء أوردتي عصير من غضب! يا قارئي! لا ترج مني الهمس! لا ترج الطرب! هذا عذابي../ ضربة في الرمل طائشة/ وأخرى في السحب!/ حسبي بأني غاضب/ والنار أولها غضب!".
وكلما هجرت العصافير من أوكارها في وطني وبنيت أقفاصا جديدة ودشن سجن جديد للصمت، كلما كمموا أفواها جديدة تذكرت قولك في الأعالي:"وضعوا على فمه السلاسل/ ربطوا يديه بصخرة الموتى وقالو: أنت قاتل!/ أخذوا طعامه، والملابس، والبيارق/ ورموه في زنزانة الموتى، وقالوا: أنت سارق!/ طردوه من كل المرافئ/ أخذوا حبيبته الصغيرة، ثمن قالوا: أنت لاجئ!/ يا دامي العينين، والكفين/ إن الليل زائل/ لا غرفة التوفيق باقية/ ولا زرة السلاسل!/ نيرون مات، ولم تمت روما../ بعينيها تقاتل! وحبوب سنبلة تموت/ ستملأ الوادي سنابل..!".
أيام قليلة فصلت ذكراك عن الذكرى الثانية والعشرون لرحيل ناجي العلي، فما أشبه وجهيكما وما أتفه الوطن دون ريشة تكشف عوراة أجسادنا وتضخم "كروشنا" وضمور أنوفنا وإنحناء قامتنا وتهدل شفاهنا وضحكاتنا الصفراء المهاذنة وأعيننا المغلقة عن الحق وأيدينا الممتدة لمصافحة العدو، وما أتفه الوطن دون مغني الربابة ودون قصيدة غاضبة تسجل أننا عرب ولا عرب. وتفضح ما يحيكه الأخ لأخيه، وما أتفه العالم من دون قصيدة حالمة تمسح عنا تعب السنين وتسكننا الحروف والأغاني بعدما صارت أغانينا نشازا وأمنياتنا سرابا.
تمر ذكراكما وسيبقى أثركما على الدوالي وفي حقول البرتقال والطائرات الورقية للأطفال والقرنفل البلدي، سيبقى أثركما في طواحين الهواء وفي حجارة الوادي وفي فأس الحطاب وفي قلم الرصاص وفي المفتاح بالباب وفي الأحرف الحلقية وفي الألوان المائية والزيتية وفي كريستالة الروح وصخرة القبة و"الحجارة النبية" وفي صوت البندقية وفلسطين الأبية.
مضى الذي مضى وانتهى..
ومازالت حروف اسمك تسيج أرواحنا وتتدلى من سدرة المنتهى معلنة انتصار القصيدة التي يرددها الصدى في الأعالي:
الميم: مودة
والحاء: حمام
والميم:مساء
والواو: وفاء
والدال: دالية
والدال: دمع
والراء: رثاء
والواو: وئام
والياء: يمام
والشين: شتاء
ونحن نيام.. شتاء ريتا الطويل يخلع عنا دثارنا، و برقعنا المتشح بالسواد يطير بليل البلاد إلى الشرفات البعيدة والأبحر الثائرة والقوافي الشريدة.. فما أصعب مغالبة الحروف وما أقصى شتاء القصيدة، ما أقصى شتاء القصيدة.
مضى الذي مضى وانتهى..
ومازالت دموعنا بلا مآقي ووجوهنا بلا أنوف وكؤوسنا بلا ساقي ومواعيدنا بلا تلاقي.
مضى الذي مضى وانتهى..
ومازالت عصافيرنا بلا أعشاش.. وأطفالنا بلا أمهات وأمهاتنا بلا أزواج.
مضى الذي مضى وانتهى..
ومازال "لاعب النرد" يلاعب مصيره وقدره ويتسلى مع سجانه.. مازال القطار يسير ويدمن المنفى حتى سقط عن الخريطة وأقلعت الطائرة ولكن المسافر قد تأخر عن الرحلة هذه المرة لعشر دقائق فقط فسقطت الطائرة وبقيت الحقيبة في قاعة الانتظار تردد صدى كلمات المغني: "من أنا لأقول لكم/ ما أقول لكم؟/ كان يمكن أن ألا أكون أنا من أنا/ كان يمكن ألا أكون هنا./ كان يمكن أن تسقط الطائرة بي صباحا/ ومن حسن حظي أني نؤوم الضحى/ فتأخرت عن موعد الطائرة/ كان يمكن ألا أرى الشام والقاهرة/ ولا متحف اللوفر، والمدن الساحرة/ كان يمكن، لو كنت أبطأ في المشي/ أن تقطع البندقية ظلي/ عن الأزرة الساهرة/ كان يمكن لو كنت أسرع في المشي، أن أتشظى وأصبح خاطرةعابرة/ كان يمكن لو كنت أسرف في الحلم، أن أفقد الذاكرة ومن حسن حظي أني أنام وحيدا/ فأصغي إلى جسدي/ وأصدق موهبتي في اكتشاف الألم/ فأنادي الطبيب قبيل الوفاة، بعشر دقائق/ عشر دقائق تكفي لأحيا مصادفة/ وأخيب ظن العدم/ من أنا لأخيب ظن العدم/".
وتبقى شجرة الأسئلة وارفة الظلال.. وتبقى بركة الأجوبة راكدة إلى أن يحط الحمام على شاهدة القبر ليهنأ قليلا من تعب السفر ويطفأ قليلا ضمأ القمر ويلهو قليلا مع دودة القز ونملة عابرة بأقاصي الحلم، وحين يملأ رئتيه من هواء المقابر وينتبه إلى شاهدة القبر والكلام العابر يقرأ ذكر الحمام لصاحبته قصيدته الأخيرة ووصيته الأخيرة وينام على وحدته الفاجعة مرددا: "أعدي لي الأرض كي أستريح/ فإني احبك/ أحبك/ آه حتى التعب/ ساعديني بالكتابة/ صباحك فاكهة للأغاني/ وهذا المساء ذهب/ آه ذهب/ آه آه ذهب/ ونحن لنا/ حين يدخله/ ظل إلى ظلّه في الرخام/ وأشبه نفسي!/ وأشبه نفسي/ حين أعلق نفسي على عنق لا يعانق غير الغمام/ وأنت الهوى الذي يتعرى أمامي كدمع العنب/ وأنت الهوى الذي يتعرى أمامي كدمع العنب/ ونات بداية عائلة الموج/ حين تشيت في البرجين اغترب/ وإني أحبك/ آه أحبك آه أحبك فأنت بداية روحي/ وأنت الختام/ يطير الحمام/ يحط الحمام/".